السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
278
مختصر الميزان في تفسير القرآن
الإلهي فالأقرب إلى الحكمة والحزم في دعوتهم أن تبدأ بالإنذار ، ولهذا كله ربما حصر شأن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم في الإنذار كما في قوله : إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ ( فاطر / 23 ) وقوله : وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ( العنكبوت / 50 ) . هذا في عامة الناس وأما الخاصة من عباد اللّه ، وهم الذين يعبدونه حبا له لا خوفا من نار ولا طمعا في جنة فإنهم يتلقون من الدعوة بالخوف والرجاء أمرا آخر فإنهم يتلقون من النار أنها دار بعد وسخط فيخافونها لذلك ، ومن الجنة أنها ساحة قرب ورضوان فيشتاقون إليها لذلك . وظاهر قوله : « لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ » أنه خطاب لمشركي مكة أو لقريش أو للعرب عامة إلا أن التقابل بين ضمير الخطاب وبين من بلغ - والمراد بمن بلغ هو من لم يشافهه النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم بالدعوة في زمن حياته أو بعد - يدل على أن المراد بالمخاطبين في قوله : « لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ » هم الذين شافههم النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم بالدعوة ممن تقدم دعاؤه على نزول الآية أو قارنه أو تأخر عنه . فقوله : « وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ » يدل على عموم رسالته عليه السّلام بالقرآن لكل من سمعه منه أو سمعه من غيره إلى يوم القيامة ، وإن شئت فقل : تدل الآية على كون القرآن الكريم حجة من اللّه وكتابا له ينطق بالحق على أهل الدنيا من لدن نزوله إلى يوم القيامة . وقد قيل : « لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ » ولم يقل : لأنذركم بقراءته فالقرآن حجة على من سمع لفظه وعرف معناه واهتدى إلى مقاصده ، أو فسّر له لفظه وقرع سمعه بمضامينه فليس من شرط كتاب مكتوب إلى قوم أن يكون بلسانهم بل أن تقوم عليهم حجته وتشملهم مضامينه ، وقد دعا صلّى اللّه عليه وآله وسلم بكتابه إلى مصر والحبشة والروم وإيران ولسانهم غير لسان القرآن ، وقد كان فيمن آمن به في حياته وقبل إيمانهم سلمان الفارسي وبلال الحبشي وصهيب الرومي وعدة من اليهود ولسانهم عبري هذا كله مما لا ريب فيه .